وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ قَسَمًا وَاجِبًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَقَدْ بَيَّنْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ نُنَجِّي مِنَ النَّارِ بَعْدَ وُرُودِ جَمِيعِهِمْ إِيَّاهَا، الَّذِينَ اتَّقَوْا فَخَافُوهُ، بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَنَدَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسِهِمْ، فعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، وَعَصَوْا رَبَّهُمْ، وَخَالِفُوا أَمَرَهُ وَنَهْيُهُ مِنَ النَّارِ، جِثِيًّا، يَقُولُ: بُرُوكًا عَلَى رُكَبِهِمْ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْجِثِيُّ: شَرُّ الْجُلُوسِ، لَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ جَاثِيًا إِلَّا عِنْدَ كَرْبٍ يَنْزِلُ بِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ النَّاسَ وَرَدُوا جَهَنَّمَ وَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَأَضَاءَتْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ، فَأُنْجُوْا مِنْهَا.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَأَوْبَقَتْهُمْ أَعْمَالُهُمْ، وَاحْتُبِسُوا بِذُنُوبِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَى النَّاسِ آيَاتُنَا الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا عَلَى رَسُوِلنَا مُحَمَّدٍ بَيِّنَاتٍ، يَعْنِي وَاضِحَاتٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا وَفَكَّرَ فِيهَا أَنَّهَا أَدِلَّةٌ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ أَدِلَّةً عَلَيْهِ لِعِبَادِهِ، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَآيَاتِهِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فَصَدَّقُوا بِهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا}
يَعْنِي بِالْمُقَامِ: مَوْضِعِ إِقَامَتِهِمْ، وَهِيَ مَسَاكِنُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ {وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} وَهُوَ الْمَجْلِسُ، يُقَالُ مِنْهُ: نَدَوْتُ الْقَوْمَ أَنْدُوهُمْ نُدُوًّا: إِذَا جَمَعْتُهُمْ فِي مَجْلِسٍ،
وَيُقَالُ: هُوَ فِي نَدِيِّ قَوْمِهِ وَفِي نَادِيهِمْ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَمِنَ النَّدِيِّ قَوْلُ حَاتِمٍ:
[البحر الكامل]
وَدُعِيتُ فِي أُولَى النَّدِيِّ وَلَمْ ... يُنْظَرْ إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ