الإشارة هنا للبعيد إعلاء لشأنها وتشويفا وتكريما لها (نُورِثُ) ، أي يجعلها سبحانه وتعالى ميراثا لمن كان تقيا، وسميت ميراثا أورث اللَّه تعالى به، لأنه خلف للعمل الصالح، ولأنه ترك الأهواء والشهوات فأخذ بديلا لها تلك الجنة وهي أغلى وأدوم، وسمى سبحانه وتعالى ذلك توريثا؛ لأنها خلف، كما يملك الوارث بالخلافة بيد أن ذلك ميراث عن عمل صالح بنعيم دائم فهو دائم بدوام المال الموروث، وقد قال في هذا الزمخشري ما نصه:"نورث: استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث المال الموروث؛ ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية، وهي الجنة، فإذا دخلوا الجنة أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال".
وقوله تعالى: (نُورِث مِنْ عِبَادنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (مَنْ) مفعول، و (مِنْ) للتبعيض وقوله تعالى: (كَانَ تَقِيًّا) تفيد الملازمة للتقوى لَا يتحول عنها؛ لأن (كانَ) تدل على الدوام والاستمرار.
(وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا(64)
(وَمَا نَتَنَزَّلُ) هذا بيان من متكلم ما هو؟ أهو من الملائكة أم من المتقين؛ إن النص يحتملهما، وقد روي أن ذلك من الملائكة، وروى البخاري والترمذي أن الذي قال ذلك جبريل - عليه السلام -، فإنه قد روى الترمذي والبخاري عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لجبريل - عليه السلام:"ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا"، فنزلت هذه الآية، ومعناها على ذلك، (وَمَا نَتَنَزَّلُ) ، أي نتنزل نحن الملائكة (إِلَّا بِأمْرِ رَبِّكَ) الذي خلقك، فلا ننزل من تلقاء أنفسنا بل بإرادة، وروي أنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنا أشوق إليك".
وقد قيل: إن المشركين قالوا: قلاه اللَّه وودعه، وقد قال تعالى في سورة الضحى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى) هذا تخريج تؤيده الرواية الصحيحة، ونتنزل أي ننزل وقتا بعد آخر.