وقوله جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ. بدل من الجنة في قوله فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
أي: هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون للصالحات يدخلهم الله - تعالى - جنات عدن، أي: الجنات الدائمة التي وعدهم الرحمن بدخولها، وكان هذا الوعد في الدنيا قبل أن
يشاهدوها أو يروها.
فقوله: بِالْغَيْبِ حال من المفعول وهو عِبادَهُ أي: وعدهم بها حالة كونهم غائبين عنها، لا يرونها، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد إخباره - سبحانه - لهم بذلك.
وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم في الدنيا بقوله: إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي: إنه - تعالى - كان وما زال ما وعد به عباده وهو الجنة مَأْتِيًّا أي: يأتيه ويصل إليه من وعده الله - تعالى - به، لأنه - سبحانه - لا يخلف وعده.
فقوله: مَأْتِيًّا اسم مفعول من أتاه الشيء بمعنى جاءه، وقيل: هو اسم مفعول بمعنى فاعل، أي: إن وعده - سبحانه - لعباده كان آتيا لا ريب فيه.
ثم وصف - سبحانه - الجنات وأهلها بما يحمل العقلاء على العمل الصالح الذي يوصلهم إليها بفضله - تعالى - وكرمه فقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ...
واللغو: هو فضول الكلام، وما لا قيمة له منه، ويدخل فيه الكلام الباطل.
وقوله إِلَّا سَلاماً الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه.
أي: لا يسمعون فيها كلاما لغوا، لكنهم يسمعون فيها سلاما. أي: تسليما من الملائكة عليهم، كما قال - تعالى -: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ...
أو يسمعون فيها تسليما وتحية من بعضهم على بعض، كما قال - تعالى -: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ.
قال الآلوسي: قوله إلا سلاما، استثناء منقطع، والسلام إما بمعناه المعروف.
أي: لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص، أي: لكن يسمعون كلاما سالما من العيب والنقص.
وجوز أن يكون استثناء متصلا، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما في قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب