ولم يمنعه من ذلك أن أصلها للكفار. وقد هم صلى الله عليه وسلم بأن يمنع وطء المراضع خوفاً على أولادهن ، لأن العرب كانوا يظنون أن الغيلة (وهي وطء المراضع) تضعف ولدها وتضره ، ومن ذلك قول الشاعر:
فوارس لم يغالوا في رضاع... فتتبوا في أكفهم السيوف
فأخبرته صلى الله عليه وسلم فارس والروم بأنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم ، فأخذ صلى الله عليه وسلم منهم تلك الخطة الطيبة ، ولم يمنعه من ذلك أن أصلها من الكفار.
وقد انتفع صلى الله عليه وسلم بدلالة ان الأُرقط الدؤلي له في سفر الهجرة على الطريق ، مع انه كافر.
فاتضح من هذا الدليل أن الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة العربية - هو أن يتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النواحي المادية ، ويحذورا مما جنته من التمر على خالق الكون جل وعلا فتصلح لهم الدنيا والآخرة. والمؤسف! أن أغلبهم يعكسون القضية ، فيأخذون منها الانحطاط الخلقي ، والإنسلاخ من الدين ، والتباعد من طاعة خالق الكون ، ولا يحصلون على نتيجة مما فيها من النفع المادي فخسروا الدينا والآخرةن ذلك هو الخسران المبين.
وما أحسن الدين والدنيا إذا اجمعا... واًقبح الكفر واللإفلاس بالرجل
وقد قدمنا طرفاً نافعاً في كون الدين لا ينافي التقدم المادي في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد عرف في تاريخ النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - أنهم كانوا يسعوم في التقدم في جميع الميادين مع المحافظة على طاعة خالق السماوات والأرض جل وعلا.