والجملة الثالثة إنَّ في ذلك لآياتٍ لأُوْلِى النهي معترضة مؤكدة للاستدلال ؛ فبعد أن أُشير إلى ما في المخلوقات المذكورة آنفاً من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته ، والمنّة بها على الإنسان لمن تأمل ، جُمعت في هذه الجملة وصرح بما في جميعها من الآيات الكثيرة.
وكلّ من الاعتراض والتوكيد مقتض لفصل الجملة.
وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين ، لأنّهم لم ينظروا في دلالة تلك المخلوقات على وحدانية الله ، وهم يحسبون أنفسهم من أولي النّهى ، فما كان عدم اهتدائهم بتلك الآيات إلاّ لأنهم لم يَعُدوها آيات.
لا جرم أنّ ذلك المذكور مشتمل على آيات جمّة يتفطن لها ذوو العقول بالتأمّل والتفكّر ، وينتبهون لها بالتذكير.
والنُهى: اسم جمع نُهْية بضم النون وسكون الهاء ، أي العقل ، سمي نُهية لأنّه سبب انتهاء المتحلي به عن كثير من الأعمال المفسدة والمهلكة ، ولذلك أيضاً سمّي بالعقل وسمي بالحِجْر.
{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) }
مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.
وهذا إدماج للتذكير بالخلق الأول ليكون دليلاً على إمكان الخلق الثاني بعد الموت.
والمناسبة متمكنة ؛ فإن ذكر خلق الأرض ومنافعها يستدعي إكمال ذكر المهم للنّاس من أحوالها ، فكان خلق أصل الإنسان من الأرض شبيهاً بخروج النبات منها.
وإخراج النّاس إلى الحشر شبيه بإخراج النبات من الأرض.
قال تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً} [نوح: 17 ، 18] .
وتقديم المجرورات الثلاثة على متعلقاتها ؛ فأما المجرور الأول والمجرور الثالث فللاهتمام بكون الأرض مبدأ الخلق الأول والخلق الثاني.
وأما تقديم {وفِيهَا نُعِيدكُم} فللمزاوجة مع نظيريه.