فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعة بالغريزة التي جعلها الله فيه ، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى (قناة) مثلاً ، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها ، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد ، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع ، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها ، هذه هي الغريزة الفِطْرية .
لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطئ ؛ لأنها محكومة بالغريزة ، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً ، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص ، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة ، ويُخفِي ما تريده منه ، لأن له عقلاً يفاضل: قُلْ هذه ، ولا تقُلْ هذه ، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات .
كذلك ، ترى الحيوان إذا شبع يتمنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: (أرها الألوان تريك الأركان) ، فلا مانع بعد أن أكل حتى التخمة من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه .
وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه: {ا أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
خذ مثلاً الأذن ، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات ، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية ، فتُخفّف من حِدّتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة ، وإلاَّ خرقتها الأصوات وأصَمّتها ، وكذلك جعلها لله لِصدِّ الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها .