وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهي} [طه: 54] .
آيات: عجائب . والنُّهَى: جمع نُهية مثل قُرَبْ جمع: قُرْبة . والنُّهَى: العقول ، وقد سمّاها الله تعالى أيضاً الألباب ، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات .
والعقل من العقال الذي تعقل به الدابة حتى لا تشرد منك ، وكذلك العقل لم يُخلَق لك كي تشطح به كما تحب ، إنما لتعقل غرائزك ، وتحكمها على قَدْر مهمتها في حياتك ، فغريزة الأكل مثلاً لبقاء الحياة ، وعلى قَدّْر طاقة الجسم ، فإنْ زادت كانت شراهة مفسدة .
وقد جُعل حُبُّ الاستطلاع للنظر في الكون وكَشْف أسراره وآيات الله فيه ، فلا ينبغي أنْ تتعدّى ذلك ، فتتجسس على خَلْق الله .
وسُمِّيَتْ العقول كذلك النُّهَى ، لأنها تنهي عن مثل هذه الشطحات . إذن: فلا بد للإنسان من عقل يعقل غرائزه ، حتى لا تتعدى المهمة التي جُعلَتْ لها ، ويُوقِفها عند حَدِّها المطلوب منها ، وإلا انطلقتْ وعربدتْ في الكون ، لا بُدَّ للإنسان من نُهية تنهاه وتقول له: لا لشهوات النفس وأهوائها ، وإلاّ فكيف تُطلِق العنان لشهواتك ، ولست وحدك في الكون؟ وما الحال لو أطلق غيرك العنان لشهواتهم؟
وسُمِّي العقل لُبّاً ، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا إلى قشورها ، ولتكون أبعد نظراً .
وأعمق فكراً في الأمور . فحين يأمرك أن تعطي شيئاً من فضل مالك للفقراء ، فسطحية التفكير تقول: لا كيف أتعب وأعرق في جمعه ، ثم أعطيه للفقير؟ وهو لم يفعل شيئاً؟
أماحين تتعمق في فَهْم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق تبارك وتعالى قال لك: أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما احتجتَ تجد مَنْ يعطيك ، فقد يصبر الغني فقيراً ، أو الصحيح سقيماً ، أو القوي ضعيفاً ، فهذه سنة دائرة في الخَلْق متداولة عليهم .