فهرس الكتاب
فلو ذهبت مثلاً إلى سوق التمور في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أنواعاً كثيرة ، مختلفة الأشكال والطُّعوم والأحجام ، كلها تحت مُسمّى واحد هو: التمر . وهكذا لو تأملتَ باقي الأنواع من المزروعات .
ثم يذكر الحق تبارك وتعالى العِلَّة في إخراج النبات: {كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ}
(كُلُوا) : تدل على أن الخالق عز وجل خلق الحياة ، وخلق مقومات الحياة ، وأولها القوت من الطعام والشراب ، وهذه المقوّمات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية ، فالقوت أولاً ، ثم الماء ، ثم الهواء .
فأنت تحتاج الطعام وتستطيع أن تصبر عليه شهراً على قَدْر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم ، يتغذّى منها الجسم في حالة فقد الطعام ؛ لأنك حين تأكل تستهلك جزءاً من الطعام في حركتك ، ثم يُختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم ، فإذا ما نفد الدُّهْن امتصَّ الجسم غذاءه من اللحم ، ثم من العظم ، فهو آخر مخازن الغذاء في جسم الإنسان .
لذلك لما أراد سيدنا زكريا عليه السلام أن يعبر عن ضعفه ، قال: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي} [مريم: 4] .
لذلك تجد كثيراً ما يُتملّك الغذاء ؛ لأنك تصبر عليه مدة طويلة تُمكِّنك من الاحتيال في طلبه ، أو تُمكِّن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك محصور جوعان .
أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة ؛ لذلك قليلاً ما يُملِّك الماء لأحد .
أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفَس واحد ، فمن رحمة الله بعباده ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد ، وإلاّ لو غضب عليك صاحب الهواء ، فمنعه عنك لمتّ قبل أنْ يرضى عنك ، وليس هناك وقت تحتال في طلبه .
وقوله تعالى: {وارعوا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 54] لأنها تحتاج أيضاً إلى القُوت ، وقال تعالى في أية أخرى: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33] ثم يصبّ الجميع في أن يكون متاعاً للإنسان الذي سخّر الله له كل هذا الكون .