...ويقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون: (إن القوّة لم تكن عاملا في نشر القرآن، وإن العرب تركوا المغلوبين أحرارا في أديانهم، فإذا كان بعض النصارى قد أسلموا واتخذوا العربيّة لغة لهم، فذلك لما كان يتّصف به المسلمون الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس بمثله عهد، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى، وقد عاملوا كل قطر استولوا عليه بلطف عظيم ... والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل المسلمين) .
...هذه شهادة الغربيين المنصفين على عدالة الإسلام، ورحمة المسلمين، وهي شهادات تؤكّد عظم مبادئ الإسلام وأخلاقه في الجهاد، ويؤكّد على أن الجهاد رسالة كان يتمثل فيها الأخلاق كسلاح من أقوى أسلحة المواجهة بين قوى الإسلام من جهة، وبين قوى الجاهليّة من جهة أخرى، وكثيرا ما كان المسلمون يكسبون المعارك من دون أن يجرّدوا أسلحتهم لهذا السبب. (55)
...إن تلك الأخلاق هي التي ينبغي أن يتّصف بها المسلمون في جهادهم؛ وذلك لأنّها هي التي دفعت الأمم الأخرى إلى استقبال المسلمين أينما حلّوا، وهي التي حبّبتهم إلى الناس، وخذلت عنهم الأعداء، وهي التي دفعت بأهل حمص إلى البكاء والنحيب حين غادرهم الجيش الإسلامي إلى اليرموك وجعلتهم يغلقون أبواب مدينتهم في وجه الروم. وهي التي دفعت بأهل سمرقند إلى أن يتمنّوا انتصار جيوش المسلمين. وهي التي دفعت الألوف من أهل الأندلس إلى الانضمام في جيش طارق بن زياد. وهي التي دفعت شعوب جنوب شرقي آسيا، وبلاد أفريقيا إلى الدخول في الإسلام من دون قتال ...
...وإذا كانت الأخلاق هي المعيار الأبرز الذي ميّز الجهاد في سبيل الله عن الحرب، فإن أبرز هذه الأخلاق، وأبرز هذه الآداب التي تعتبر عاملا للنصر على الأعداء تتمثّل في التقوى والإخلاص، وهما محوران هامّان لأعمال المجاهدين، وبدونهما لن يحوزوا هداية الله ورضوانه اللذان هما عماد النصر في سبيل الله تعالى....
...إن التقوى هي حصن المجاهدين، وهي دعوتهم الأولى، وبها يصمدون، كما أنّهم بها لا يعتدون، ومن يحمل السلاح هو أحوج الناس إليها حتى لا ينحرف عن القيم؛ (56) وذلك لأنّها روح العلاقات الصائبة مع قضايا الحياة كلّها.