فهرس الكتاب
وَجَعَلَهُ خَالِصًا لَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ كَانَ مِنْ مُوسَى، وَلَا وَسِيلَةٍ. فَإِنَّهُ خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ النَّارَ. فَرَجَعَ وَهُوَ كَلِيمُ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ، ابْتِدَاءً مِنْهُ سُبْحَانَهُ، مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا تَقَدُّمِ وَسِيلَةٍ. وَفِي مِثْلِ هَذَا قِيلَ:
أَيُّهَا الْعَبْدُ، كُنْ لِمَا لَسْتَ تَرْجُو ... مِنْ صَلَاحٍ أَرْجَى لِمَا أَنْتَ رَاجِي
إِنَّ مُوسَى أَتَى لِيَقْبِسَ نَارًا ... مِنْ ضِياءٍ رَآهُ وَالْلَيْلُ دَاجِي
فَانْثَنَى رَاجِعًا، وَقَدْ كَلَّمَهُ الْلَّ ... هُ، وَنَاجَاهُ وَهْوَ خَيْرُ مُنَاجِي
وَقَوْلُهُ: وَأَبْقَى مِنْهُ رَسْمًا مُعَارًا.
يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالرَّسْمِ: الْبَقِيَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِهَا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُفِعَ فَوْقَهُ بِدَرَجَاتٍ لِأَجْلِ بَقَائِهَا مِنْهُ.
وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ لِنَفْسِهِ. وَاخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ الْعَالَمِينَ. وَخَصَّهُ بِكَلَامِهِ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا رَسْمًا مُجَرَّدًا يَصْحَبُ بِهِ الْخَلْقَ، وَتَجْرِي عَلَيْهِ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَشَرِيَّةِ. إِتْمَامًا لِحِكْمَتِهِ، وَإِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ. فَهُوَ عَارِيَةٌ مَعَهُ. فَإِذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ: اسْتَرَدَّ ذَلِكَ الرَّسْمَ. وَجَعَلَهُ مِنْ مَالِهِ. فَتَكَمَّلَتْ إِذْ ذَاكَ مَرْتَبَةُ الِاجْتِبَاءِ. ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، حَقِيقَةً وَرَسْمًا، وَرَجَعَتِ الْعَارِيَةُ إِلَى مَالِكِهَا الْحَقِّ، الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ. فَكَمَا ابْتَدَأَتْ مِنْهُ عَادَتْ إِلَيْهِ.
وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَانَ فِي مَظْهَرِ الْجَلَالِ، وَلِهَذَا كَانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ جَلَالٍ وَقَهْرٍ. أُمِرُوا بِقَتْلِ نُفُوسِهِمْ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، وَذَوَاتُ الظُّفُرِ وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْغَنَائِمُ. وَعُجِّلَ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَاتِ مَا عُجِّلَ وَحُمِّلُوا مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ، مَا لَمْ يَحْمِلْهُ غَيْرُهُمْ.