فالجواب: أنهم كانوا مكذِّبين أنبياءَ الله وكتبه المتقدِّمة، ومن كذَّب نبيّاً فقد كذَّب سائر الأنبياء، ولهذا قال: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) ، وقال الزجاج: يجوز أن يكون المرادَ به نوحٌ وحده، وقد ذُكر بلفظ الجنس، كما يقال: فلان يركب الدوابّ، وإِن لم يركب إِلا دابّة واحدة وقد شرحنا هذا في سورة هود عند قوله: (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) .
قوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً)
قال الزجاج: لفظ البلدة مؤنَّث، وإِنما قيل: «ميتاً» لأن معنى البلدة والبلد سواء.
وقال غيره: إِنما قال: «ميتاً» ، لأنه أراد بالبلدة المكان.
وقد سبق معنى صفة البلدة بالموت.
قوله تعالى: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
سئل الحسن عن قوله: «قُرَّةَ أعين» في الدنيا، أم في الآخرة؟
قال: لا، بل في الدنيا، وأيُّ شيء أقَرُّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يُطيعون الله، والله ما طلب القوم إِلا أن يُطاع الله فتَقَرّ أعينهم.
قال الفراء: إِنما قال: «قُرَّةَ» لأنها فعل، والفعل لا يكاد يُجمع، ألا ترى إِلى قوله: (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) فلم يجمعه والقُرَّة مصدر، تقول: قَرَّت عينه قُرَّة، ولو قيل: قُرَّة عين أو قُرَّات أعين كان صواباً.
وقال غيره: أصل القُرَّة من البَرْد، لأن العرب تتأذى بالحَرِّ، وتستروح إِلى البَرْد.
قوله تعالى: (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) فيه قولان:
أحدهما: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا، قاله ابن عباس.
وقال غيره: هذا من الواحد الذي يراد به الجمع، كقوله: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) .
والثاني: اجعلنا مؤتمِّين بالمُتَّقِين مقتدين بهم، قاله مجاهد فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب، فالمعنى: واجعل المتّقين لنا إماما. انتهى انتهى {زاد المسير في علم التفسير} ...