فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 382881 من 466147

فلما علم سليمان بهذا الحكم ردَّه. وقال: بل نعطي الأرض لصاحب الغنم ليزرعها حتى تعود كما كانت، ونعطي الغنم لصاحب الأرض يستفيد منها، ثم يعود كل حقٍّ إلى صاحبه، فكأن الله تعالى ألهم سليمان صحة الحكم ليستدرك على أبيه داود، فانظر كيف كانت قداسة كلمة السماء مع كلمة أهل الأرض، وبعد ذلك صوَّب الله تعالى الحكمين، وقال

{وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} [الأنبياء: 79] .

إذن: فاستدراك هيئة تحكم على هيئة حكمت ليس عيباً في الأولى، وإنما هذا فهم فَهْماً حكم بمقتضاه، وذلك فَهم فَهْماً آخر حكم بمقتضاه، لذلك نجد في المحاكم الحكم الابتدائي والاستئنافي، وبعد ذلك حكم النقض، فهل حكم الاستئناف يطعن في الحكم الابتدائي، أو حكم النقض يطعن في حكم الاستئناف؟ لا، لأن الحكم الأعلى يراعي شيئاً فاتَ صاحب الحكم الأدنى، فلا غضاضةَ في هذا.

ونحن حين نستعرض القصة نجد المفسرين لم يُظهروا لنا حجة داود في الحكم الذي قضى به، ولا حجة سليمان في الحكم الذي قضى به، وبالاستقراء. قلنا: الزرع قديماً لم يكُنْ في أرض محكرة مملوكة للناس، إنما كانت الأرض على المشاع، ففي أي مكان تبذر الحب وتسقيه السماء حتى يثمر فتأخذه ثمره دون أنْ تمتلك أرضه، يعني: من سبق إلى أيِّ حقل زرعه.

إذن: الملكية كانت للزرع فحسب لا للأرض، فعلى هذا قام حكم سيدنا داود، وما دامت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع فالمسألة زرع وغنم. أما سيدنا سليمان فرأى أن الزرع يمثل كما نقول وَضْع يد على الأرض، ووَضع اليد يبيح الملكية، فأبقى لصاحب الملك ملكه في الأرض، فحكم بأنْ يأخذ صاحبُ الأرض الغنم ينتفع بها وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض يزرعها إلى أنْ تعود كما كانت، ثم يأخذ كل منهما ماله.

إذن: كان لكل منهما مَلْحظ، وبناءً عليه حكم لذلك؛ فقال تعالى في حقهما:

{وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ..} [الأنبياء: 79] .

اللقطة الأخرى هي الفتنة التي وقعتْ لسيدنا سليمان، وقلنا: إن الأصل في كلمة الفتنة هي صَهْر المعدن وإحراقه في النار ليخرج منه الخَبَث والشوائب، فيصير نقياً وتزداد صلابته، ثم أُطْلِقَتْ الفتنة على مطلق الامتحان الذي يُميِّز الجيد من الرديء في البشر، فهي بمعنى الابتلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت