هذا ينقلُنا إلى عتباتِ الحواسِّ، إنّ هذه العينَ ترى بين عَتَبتَيْن، لو أنَّ الرؤيةَ زادَت على حدِّها الذي هي عليه لأصبَحَتْ حياتُنا جحيماً، إنّك إذا نظرتَ إلى كأسِ الماءِ الذي تشربُهُ الآن، تراه صافياً عذباً فراتاً رائِقاً، لو أنّ عتَبَةَ البصرِ زادَتْ قليلاً، ودقَّت أكثرَ مِمَّا هي عليه لرأيتَ في هذه الكأسِ العجَبَ العُجابَ، لرأيتَ الكائناتِ الحيةَ، والجراثيمَ غيرَ الضارةِ، بِعَددٍ لا يُحصى، إنَّك لنْ تشربَ الماءَ عندها، ولرأيْتَ هذا الطّفلَ الصغيرَ بِخَدِّه الأسيل كأنّه مغاراتٌ ونتوءاتٌ، لذلك يقولُ ربّنا سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
ولو أنَّ عَتَبَةَ السَّمْع ارْتَفَعَ مُستواها قليلاً لَمَا أمْكنكَ أنْ تنامَ الليلَ، لأنّ الأصواتَ كلَّها تتلقّفُها، بل إنّ أصواتَ جهازِ الهضْمِ وحدهُ تكادُ تكونُ كالمعملِ الكبيرِ، لذلك جَعَلَ اللهُ لك عتبةً خاصّةً في السَّمْعِ لا تزيدُ على حدِّها، فلو أنّ حاسّة اللمْسِ زادَتْ لشَعَرْتَ بالكهرباءِ الساكنةِ التي تُحيلُ حياتك جحيماً لا يُطاقُ، وبعضُ الحيواناتِ تزيدُ حاسّةُ الشمِّ عندَها مليونَ ضعفٍ على حاسّةِ الإنسانِ، غير أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى شقَّ لنا السمعَ، وأنشأ الأبصارَ والأفئدةَ، وخَلقَ حاسّةَ اللّمْسِ، وحاسّةَ البصَرِ، ومع كلِّ هذا فإنّ هذه الحواسَّ خُلِقَتْ خَلْقاً دقيقاً جِدّاً مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى.
جهاز الإفراز
الكليتان وشكر نعمتهما
روي أنه كان عليه الصلاةُ والسلامُ إذا خرج مِن بيتِ الخلاءِ يقول:"الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
وفي دعاءٍ آخر، كان يقول:"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ".