فهرس الكتاب
«فَإِنْ قِيلَ» : الْبِشَارَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ بِحُصُولِ الْمَنَافِعِ، فَأَمَّا إِذَا أَخْبَرَ الرَّجُلُ بِحُصُولِ مَنْفَعَةٍ ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِحُصُولِهَا كَانَ الْإِخْبَارُ الثَّانِي إِخْبَارًا وَلَا يَكُونُ بِشَارَةً، وَالْمُؤْمِنُ قَدْ يَسْمَعُ بِشَارَاتِ الْخَيْرِ فَإِذَا سَمِعَ الْمُؤْمِنُ هَذَا الْخَبَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِخْبَارًا وَلَا يَكُونَ بِشَارَةً، فَمَا السَّبَبُ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الْخَبَرِ بِالْبِشَارَةِ؟
قُلْنَا الْمُؤْمِنُ يَسْمَعُ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعِ ألْبَتَّةَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِذَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَانَ هَذَا إِخْبَارًا بِنَفْعٍ عَظِيمٍ مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ بِشَارَةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ فَازِعًا مِنَ الْأَهْوَالِ وَمِنَ الْفَزَعِ الشَّدِيدِ، بَلْ يَكُونُ آمِنَ الْقَلْبِ سَاكِنَ الصَّدْرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ (أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا) يُفِيدُ نَفْيَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)
وَفِيهِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يَقُولُونَ نَحْنُ أَقَلُّ وَأَذَلُّ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَنَا أَهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّا عَبِيدٌ لِلشَّمْسِ وَهُمَا عَبْدَانِ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ هَكَذَا، فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ؟
وَالْجَوَابُ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِكْبَارِ مَا ذَكَرْتُمْ، بَلِ الْمُرَادُ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِكَ يَا مُحَمَّدُ فِي النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.