3 - {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} عظيم، وستر غليظ يمنعنا عن إجابتك، وعن التواصل والتوافق معك، روي أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوابًا وقال: يا محمد، بيننا وبينك حجاب استهزاءً منه، و {مِنْ} : للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من الجانبين، بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة المعبر عنها بالبين ولم يبق ثمة فراغ أصلًا، فيكون حجابًا قويًا عريضًا مانعًا من التواصل بخلاف ما لو قيل: بيننا وبينك، فإنه يدل على مجرد حصول الحجاب في المسافة المتوسطة بينهم وبينه من غير دلالة على ابتدائه من الطرفين، فيكون حجابًا في الجملة، لا كما ذكروا:
هذا فائدة زيادة من في قوله: {مِنْ بَيْنِنَا} شبهوا حال أنفسهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحال شيئين بينهما حجاب عظيم، يمنع من أن يصل أحدهما إلى الآخر ويراه ويوافقه، وإنما اقتصروا على ذكر هذه الأعضاء الثلاثة؛ لأن القلب محل المعرفة، والسمع والبصر أقوى ما يتوسل إلى تحصيل المعارف، فإذا كانت هذه الثلاثة محجوبة .. كان ذلك أقوى ما يكون من الحجاب.
وقصارى ما يقولون: أن قلوبهم نابية عن إدراك ما جئت به من الحق وتقبله واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، وأسماعهم لا يدخل إليها شيء منه، كأن بها صممًا، ولتباعد الدّينين وتباين الطريقين، كأن بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجاب كثيف وحاجز منيع، ثم بارزوه بالخلاف، وشن الغارات الجدلية، بما لم يبق بعده مجال للوفاق، فقالوا: {فَاعْمَلْ} على دينك {إِنَّنَا عَامِلُونَ} على ديننا، وقال الكلبي: اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك، وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها، وقيل: اعمل لآخرتك، فإنا عاملون لدنيانا، وقيل: فأعمل في إبطال أمرنا جهد طالتك، ونحن نعمل جاهدين في فض الناس من حولك، وتشتيت شمل من آمن بك، حتى تبطل دعوتك.