وقيل: المعنى: أوحى فيها ما أراده وما أمر به ، والإيحاء قد يكون بمعنى: الأمر كما في قوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى} [الزلزلة: 5] ، وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين} [المائدة: 111] أي: أمرتهم.
وقد استشكل الجمع بين هذه الآية ، وبين قوله: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها} [النازعات: 30] ، فإن ما في هذه الآية من قوله: {ثُمَّ استوى إِلَى السماء} مشعر بأن خلقها متأخر عن خلق الأرض ، وظاهره يخالف قوله: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها} ، فقيل: إن"ثم"في {ثُمَّ استوى إِلَى السماء} ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي ، فيندفع الإشكال من أصله.
وعلى تقدير أنها للتراخي الزماني ، فالجمع ممكن بأن الأرض خلقها متقدّم على خلق السماء ، ودحوها بمعنى: بسطها ، وهو أمر زائد على مجرّد خلقها ، فهي متقدّمة خلقاً متأخرة دحواً ، وهذا ظاهر ، ولعله يأتي عند تفسيرنا لقوله: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها} زيادة إيضاح للمقام إن شاء الله: {وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح} أي: بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح ، وانتصاب {حافظا} على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف ، أي: وحفظناها حفظاً ، أو على أنه مفعول لأجله على تقدير: وخلقنا المصابيح زينة ، وحفظاً ، والأوّل أولى.
قال أبو حبان: في الوجه الثاني هو: تكلف ، وعدول عن السهل البين ، والمراد بالحفظ: حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع ، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تقدّم ذكره {تَقْدِيرُ العزيز العليم} أي: البليغ القدرة الكثير العلم.
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عن التدبر والتفكر في هذه المخلوقات {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ} أي: فقل لهم يا محمد أنذرتكم خوّفتكم {صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ} أي: عذاباً مثل عذابهم ، والمراد بالصاعقة: العذاب المهلك من كلّ شيء.
قال المبرد: الصاعقة المرّة المهلكة لأيّ شيء كان.