روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه: أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش: ألا أقُوم إلى هذا الرجل ، وأكلمه ، وأعرض عليه أموراً ، لعله يقبل منا بعضها ، فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ، وذلك حين رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يزيدون ، ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد.
فقام عتبة: حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من المكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت جماعتهم ، وعبت آلهتهم ، ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم ، فإن كنت ، إنما تريد بما جئت به مالاً ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً ، وإن كنت تريد شرفاً شرفناك علينا ، حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ، أي: خيالاً ، لا تستطيع أن تردّه عنك نفسك ، طلبنا لك الطب ، وبذلنا لك فيه أموالنا حتى نبريك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل ، حتى يداوى منه.
فلما فرغ منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرحمن الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُه حتى انتهى إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة مِّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] "فقام عتبة ، وجاء إلى أصحابه.
فقال بعضهم لبعض: تالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب ، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك؟ قال: سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة.
يا معشر قريش أطيعوني ، وخلوا بيني وبين الرجل ، وبين ما هو فيه.
فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
فقال: هذا الرأي لكم ، فاصنعوا ما بدا لكم.