وَالعِلْمُ إنْ لَمْ تكْتنِفْهُ شَمَائِلُ ... تُعليهِ كَانَ مَطيَّةَ الإخْفَاقِ
إذن: العمل حين تأخذه من الباقي يبقى، وحين تأخذه من الفاني يفنى.
والذي يبقى هو القِيَم، فكما أخذنا عطاء الله في المادة ينبغي أن نأخذ عطاءه في القيم، فهي الصيانة التي ستُبقِي الأعمال وتجعلها خالدة وتجعل لها معنى وقيمة.
وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] هذا إعلانٌ يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حَدِّ ذاتها دعوةٌ إلى الله ونشرٌ لدين الله وإعلاءٌ لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك.
فإنْ أنجزتَ عملاً تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دينَ الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثِقْ أنه رافعك معه.
إذن: فمن صفات المؤمن أنْ ينسبَ خيره وصلاحه لدينه وإسلامه.
لذلك نقف كثيراً عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال:
{إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ..} [القصص: 78] فردَّ الله عليه: ما دمتَ أوُتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة
{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ ..} [القصص: 81] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك.
وتذكَّر الحديث الشريف:"ومَنْ كانت الآخرة همَّه جمع اللهُ عليه شمله، وجعل غِنَاه في قلبه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة".
لذلك أتعجَّب حينما أسمع أسماء رنَّانة لِنَوادٍ وجمعيات خيرية يقوم عليها الأعيان ووجهاء القوم وسيدات المجتمع، صحيح نراهم يُقدمون المساعدات ويفعلون الكثير من الخير ووجوه البر، لكن حين تسألهم عن المنطلق الذي يعملون من خلاله تسمع مصطلحات أخرى مثل (الماسونية) .
ولما عرفوا أن أصلها يهودي قالوا (الروتاري) ، أنا أفعل هذا لأني روتاري، سبحان الله قل: لأنني مسلم، لأن إسلامي أمرني بذلك، لماذا لا ترفع نفسك بِرفعة دينك، ولماذا تُفوِّت على نفسك ثواب هذا الخير في الآخرة.
قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظَّ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممَّنْ عمل له.