أما قوله تعالى (فامشوا في مناكبها) أي مناحيها وجوانبها على التشبيه. لأن أصل المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف واستعماله فيما ذكر على سبيل الاستعارة التصريحية الحقيقية وهي قرينة المكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير كما ذكره الخفاجي ثم قال فإن قلت كيف تكون مكنية الفرد الخارجي وهو غير مذكور فيجوز كون (ذلولاً) استعارة حينئذ هي مدلول الضمير لا مصرح بها في النظم الكريم والمانع في الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه.
وجمع المناكب تجريد للاستعارة لأن الذلول لها منكبان و الأرض ذات متسعات كثيرة.
ولعل (مناكب) يوحي بمعانٍ أخرى وهو الميل كما جاء في اللسان شبه الميل وكما جاء في الصحاح: والنكب داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه وتمشي منحرفة. وكما معلوم أنه يوجد ميل في محور الأرض بمقداره 23.5 ْ ولولا هذا الميل لما نشأت الفصول الأربعة التي تترتب عليها دورة النبات وقد أشار الله تعالى في نهاية الآية (وكلوا من رزقه و إليه النشور) .
الأرض كفات الاحياء والأموات: قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً) .
الكفت في اللغة: قال الخليل: الكًفْتُ: صرفُك الشّيء عن وَجْهه، نكْفِتُهُ فيَنَكْفِتُ، أي يَرْجع راجعاً. كَفَتَ يَكْفِتُ كِفاتاً وكَفاتاً. والكِفات من العَدْو والطَّيران كالحَيَدان في شدَّة. وكِفاتُ الأرض ظهرُها للأحياء وبَطْنُها للأموات ... والكفت: تقَليبُ الشَّيء ظهراً لبَطْن، وبطناً لظهْر. وكَفَّت إليك ولدَك، أي ضُمهَّم إليك .. وشدّ كفِيت أي سريع.
وذكر ابن فارس أن الكاف والفاء والتاء أصلٌ صحيح، يدلُّ على جمَعٍ وضمّ. من ذلك قولهم: كفَتُ الشيءَ، إذا ضممتهَ إليك ... ويقال جِرَاب كَفيتٌ: أي لا يُضَيِّعُ شيئاً يُجعَلُ فيه ... والكَفْتُ: السَّوق الشديد؛ لأنه يضم الإبل ضمَّا ويَسوقهُا، كما يقال يقَبضهُا. وسيرٌ كفيتٌ، أي سريع.