ثم عَرَّض بالمعرضين عنه والمجافين له بقوله: {وسوف تسألون} ، مع التوجيه في معنى كلمة ذِكر من إرادة أن هذا الدّين يكسبه ويكسب قومه حُسن السمعة في الأمم فمن اتبعه نال حظه من ذلك ومن أعرض عنه عدّ في عداد الحمقى كما سيأتي ، مع الإشارة إلى انتفاع المتبعين به في الآخرة ، واستضرار المعرضين عنه فيها ، وتحقيق ذلك بحرف الاستقبال.
فهذه الآية اشتملت على عشرة معان ، وبذلك كانت أوفر معانيَ من قول امرئ القيس:
قِفا نبككِ من ذِكرى حبيبٍ ومَنزل
المعدود أبلغ كلام من كلامهم في الإيجاز إذ وقَف ، واستوقف ، وبكى واستبكى.
وذكر الحبيب ، والمنزل في مِصراع.
وهذه الآية لا تتجاوز مقدار ذلك المِصراع وعِدة معانيها عشرة في حين كانت معاني مصراع امرئ القيس ستة مع ما تزيد به هذه الآية من الخصوصيات ، وهي التأكيد بـ (إنَّ) واللام والكناية ومحسِّن التوجيه.
والذكر يحتمل أن يكون ذِكرَ العقل ، أي اهتداءه لِما كان غير عالم به ، فشبه بتذكر الشيء المنسيّ وهو ما فَسر به كثير الذكرَ بالتذكير ، أي الموعظة.
ويحتمل ذِكر اللّسان ، أي أنه يكسبك وقومك ذكراً ، والذكر بهذا المعنى غالب في الذِكر بخبره.
والمعنى: أن القرآن سبب الذكر لأنه يكسب قومه شرفاً يُذكرون بسببه.
وقد روي هذا التفسير عن عليّ وابن عباس في رواية ابن عدي وابن مردويه قال القرطبي:"ونظيره قوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش ، فالقرآن نزل بلسان قريش فاحتاج أهل اللّغات كلها إلى لسانهم كلُّ من آمن بذلك فشرفوا بذلك على سائر أهل اللّغات".
وقال ابن عطية"قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل فإذا قالوا له: فَلِمنْ يكون الأمر بعدك؟ سكتَ حتى إذا نزلت هذه الآية فكان إذا سُئل عن ذلك قال: لقريش".
ودرج عليه كلام"الكشاف".