والمعنى {وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} وطلب منهم فقال: {أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ} أَي: أَطلقوا معى بني إسرائيل، وخلصوهم من الاستعباد والذُّل، والعذاب والتسخير، فهو كقوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} والتعبير عنهم بعباد الله للإشارة إلى أَن استعبادهم ظلم وطغيان، ويجوز أَن يكون المعنى: أَدوا إلي ما آمركم به، وأَدعوكم إليه من الإيمان. وقبول الدعوة، فيكون المقصود بعباد الله قوم فرعون.
وقوله - تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} تعليل لوجوب المأْمور به، أَي: أَدوا إِلي مما أَدعوكم إليه، فإِني رسول من الله، أمين على ما أُؤَديه، وأدعوكم إليه، قد ائتمننى ربي - جل شأْنه - على وحيه وصدقنى بالآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة.
{وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: أَدُّوا إلى عباد الله ولا تتجبروا ولا تتكبروا على الله بالاستعلاء على أَمره، والاستهانة بوحيه ورسوله، لأَنى آتيكم من جهته - تعالى - بسلطان مبين، وحجة واضحة في ذاتها. موضحة صدق دعواى لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى الإنكار عليّ في تبليغها.
وقال قتادة:"لَا تبغوا عَلَى الله"وقال ابن عباس:"لا تفتروا على اللهِ"والفرق بين البغي والافتراء أَن البغْىَ بالفعل والافتراءَ بالقول.
وفي ذكر الأَمين بعد الأَمر بالأَداءِ، والسلطان بعد النهي عن العلو والاستكبار - فيه - من روعة الأُسلوب وجزالة التنسيق ما لا يخفى.
20، 21 - {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} :
قيل إنه لمَّا قال: {وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} توعدوه بالقتل فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي .. } الآية.
أي: التجأْت إليه وتوكلت عليه ليحفظنى من شركم، ويعصمنى من كيدكم، فلا ينالنى منكم أذى من شتم أَو ضرب أَو رجم بالحجارة، وإِن دمتم على كفركم، وعنادكم؛ ولم تؤمنوا لي وتصدقوا دعوتى فاعتزلونى واجتنبونى وامنعوا عني شركم وكفوا أَذاكم فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلا حكم.