ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي ، كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى ، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى العفو عن هفواتهم بقوله تعالى: {ولا تتبع} أي تتعمدا أن تتبعوا {أهواء الذين لا يعلمون} أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم ، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام ، ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله: مؤكداً تنبيهاً على أن من خالف أمر الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه: {إنهم} وأكد النفي فقال تعالى: {لن يغنوا عنك} أي لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدئ {من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً واصل إليه ، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم {شيئاً} من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم.
ولما كان التقدير: فإنهم ظلمة لا يضعون شيئاً في موضعه ، ومن اتبعهم فهو منهم قال تعالى عاطفاً عليه: {وإن} وكان الأصل: وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال: {الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف الذميم {بعضهم أولياء بعض} فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلاً لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافاً لمن يظن بها غير ذلك تقيداً بالأمور الظاهرة في هذه الدار {والله} أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال {ولي المتقين} الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ولا ولاية بينه وبين الظالمين.
ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان ، الفائت لقوى الإنسان ، قال مترجماً عنه: {هذا} أي الوحي المنزل.