وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَمِيعًا) . أي: جميع ذلك من اللَّه - تعالى - أخبر أنه سخر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وقد ذكرنا جهة الآية في ذلك في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14) أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند اللَّه، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك؟
فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم - وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أُولَئِكَ الكفرة على ما ذكرتم - لوجهين: