فهرس الكتاب
والتعبير بقوله: بِأَمْرِ رَبِّها لبيان أنها لم تأتهم من ذاتها، وإنما أتتهم بأمر الله - تعالى - وبقضائه وبمشيئته.
والفاء في قوله: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ فصيحة - أيضا - . أي: هذه الريح أرسلناها عليهم فدمرتهم، فصار الناظر إليهم لا يرى شيئا من آثارهم سوى مساكنهم، لتكون هذه المساكن عبرة لغيرهم.
قال الجمل: وقوله: لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ قرأ حمزة وعاصم لا يُرى بضم الياء
على البناء للمفعول، ومساكنهم بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون من السبعة بفتح تاء الخطاب، - على البناء للفاعل - ومَساكِنُهُمْ بالنصب على أنه مفعول به .. .
وقوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أي: مثل ذلك الجزاء المهلك المدمر، نجازي القوم الذين من دأبهم الإجرام والطغيان.
وهكذا طوى - سبحانه - صفحة أولئك الظالمين من قوم هود - عليه السلام - وما ظلمهم - سبحانه - ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين، الذين لا يخفى أمرهم على المشركين المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم بل أخذت في تذكير هؤلاء المشركين، بما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا يعقلون، فقال - تعالى -: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً.
و «ما» في قوله: فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ موصولة. و «إن» نافية. أي: والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام السابقين عليكم - يا أهل مكة - في الذي لم نمكنكم فيه، بأن جعلناهم أشد منكم قوة، وأكثر جمعا، وأعطيناهم من فضلنا أسماعا وأبصارا وأفئدة.
فالمقصود من الآية بيان أن المشركين السابقين، أعطاهم الله - تعالى - من الأموال والأولاد والقوة .. أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم.