لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان
{وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ..} [النساء: 119] .
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة
{وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ..} [البقرة: 35] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} [البقرة: 187] .
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..} [البقرة: 229] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن:
{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ..} [الجن: 1 - 2] .
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ..} [الأحقاف: 29] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن
{يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ..}