{يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو الذنوب السالفة، وقيد الخطاب معهم بما يدل على التبعيض دفعًا لتوهمهم أنهم إذا أجابوا داعي الله - تعالى - وآمنوا به يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وقال أبو السعود: أي: بعض ذنوبكم وهو ما كان في خالص حق الله تعالى؛ فإن حقوق العباد لا تغفر بالإيمان.
{وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} مُعَدٍّ للكفرة، ويدل هذا على أن الجن مكلفون، واختلف في أن لهم أجرًا غير غفران الذنوب والإجارة من العذاب الأليم أولا، والأظهر أنهم في حكم بني آدم ثوابًا وعقابًا، قال ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. وقال الآخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلي وغيرهم، وقال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون لقوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} ولعل الاقتصار على ما ذكر من غفران الذنوب لهم والإجارة من العذاب الأليم؛ لأن المقام مقام إنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب، وقيل: لا ثواب لمطيعهم إلا النجاة من النار قال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، فيقال لهم: كونوا ترابًا فيكونون ترابًا، وبه قال أبو حنيفة، وعلق القشيري على هذا الخلاف فقال: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء والعلم عند الله، على أن ما ذكر من الجزاء على الإيمان بتكفير الذنوب والإجارة من العذاب يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة.
32 - {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} :