(جاءت هذه الآيات تعليقا على قصّة قوم هود، وبناء عليها فكانت هي والقصة بمثابة إنذار للكافرين الذين يرفضون دعوة الله وعبادته، ويستكبرون عنها ويفسقون عن أمر الله، وبعد هذه الصفحة من الإنذار يعرض الله علينا قصة نفر من الجن أسلموا بمجرد سماعهم للقرآن، وخرجوا دعاة، وفي ذلك درس في التلقّي الصحيح والسليم عن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلم، وفي ذلك تأنيب ضمني لقريش، فإنه إذا كان الجن يقفون مثل هذا الموقف من القرآن فما بالهم هم؟ كما إن في ذلك إيناسا
لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذ يريه الله ثمرات إنذاره أنها لا تضيع، فإذا لم يستجب له قومه فإنه لا يعدم مستجيبا.
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً أي: أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك، والنفر: دون العشرة مِنَ الْجِنِّ قال النسفي: (جن نصيبين) وسنرى تحقيق ابن كثير حول هذا الموضوع يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ منه عليه الصلاة والسلام فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي: الرسول صلّى الله عليه وسلم أو القرآن. أي فلما كانوا منه بحيث يسمعون قالُوا أي: قال
بعضهم لبعض أَنْصِتُوا أي: اسكتوا مستمعين قال ابن كثير: وهذا أدب منهم فَلَمَّا قُضِيَ أي: فلما فرغ النبي صلّى الله عليه وسلم من القراءة وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إياهم، أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله صلّى الله عليه وسلم
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قال ابن كثير: (ولم يذكروا عيسى؛ لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلّى الله عليه وسلم بقصة نزول جبريل عليه، عليه الصلاة والسلام أول مرة فقال: بخ بخ هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا ليتنى أكون فيها جذعا) . مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي: من الكتب المنزلة على الأنبياء قبله يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي: إلى الله تعالى أو إلى الحق الذي هو ضدّ الباطل في الاعتقاد والإخبار وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ في الأعمال