مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ كمن هو خالد في النار؟
قلت: هو كلام في صورة الإثبات، ومعناه النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله - تعالى -:
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ .. ؟ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار؟
فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟
قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الجحيم .. .
وقوله - سبحانه -: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أي: صفة الجنة التي وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا في طعمه أو رائحته، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس.
والماء الآسن: هو الماء الذي تغير طعمه وريحه، لطول مكثه في مكان معين. يقال: أسن الماء يأسن - كضرب - يضرب، إذا تغير.
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي: وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التي تشرب في الدنيا.
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي: وفيها كذلك أنهار من خمر هي في غاية اللذة لمن يشربها، إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ولا صداع.
وقال - سبحانه - لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ للإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان على غير دين الإسلام.
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أي: وفيها - أيضا - أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره.