فقال: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) . فلما عجزوا عنه أتبعه بالتحدي بسورة واحدة فقال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) .
فلما عجزوا أتبعه بالتحدي بآية فقال: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) .
فلما عجزوا عنه مع توافر الدواعي ظهر كونه معجزاً باهراً، وبرهاناً قاهراً
ثم إنه اتبع هذه المسألة بمسألة المعاد، وهي قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
كأنه قيل: إنما قدمنا مدح المؤمنين وذم الكافرين والمنافقين، ولو لم يكن معاد يجد المحسن ثمرة إحسانه، ويجد المسيء عاقبة إساءته، لم يكن ذلك لائقاً بحكمته، وهذا هو المراد من قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) . وقال فِي طه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى).
وقال فِي (ص) : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) .
فظهر بما ذكرنا: أنه تعالى لم يذكر فِي أول كتابه إلا دلائل التوحيد
والنبوة والمعاد، فثبت أنه لا بد من تقديم الأصول على الفروع، فلهذا السبب قدم الأمر بالتوحيد على الأمر بالاستغفار، فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) .
الوجه الثالث فِي تقرير هذا الأصل:
أنه تعالى قال فِي أول سورة النحل: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ)
فقوله (لا إله إلا أنا) إشارة إلى علم الأصول.
وقوله: (فاتقون) إشارة إلى علم الفروع
الوجه الرابع: