والمستحب لكل من يُلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} الآية ، ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ ، اللهم صلّ على محمد ، وارزقنا ثمره ، وجنّبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك لنا فيه يا ربّ العالمين.
ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات: الدود والجراد وغير ذلك ؛ سمعناه من ثقة وجُرِّب فوُجِد كذلك.
ومعنى {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي تجعلونه زرعاً.
وقد يقال: فلان زرّاع كما يقال حراث ؛ أي يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعاً يعجب الزرّاع.
وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوُّزاً.
قلت: فهو نهى إرشاد وأدب لا نهي حظر وإيجاب ؛ ومنه قوله عليه السلام:"لا يقولنَّ أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفَتاي وفَتاتي"وقد مضى في"يوسف"القول فيه.
وقد بالغ بعض العلماء فقال: لا يقل حرثت فأصبت ، بل يقل: أعانني الله فحرثت ، وأعطاني بفضله ما أصبت.
قال الماوردي: وتتضمن هذه الآية أمرين ؛ أحدهما الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم.
الثاني البرهان الموجب للاعتبار ؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره ، وانتقاله إلى استواء حاله من العَفَن والتتريب حتى صار زرعاً أخضر ، ثم جعله قويًّا مشتدًّا أضعاف ما كان عليه ؛ فهو بإعادة من أمات أخفّ عليه وأقدر ؛ وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفِطر السليمة.
ثم قال {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي متكسراً يعني الزرع.
والحُطام الهشيم الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء ؛ فنبه بذلك أيضاً على أمرين: أحدهما ما أولاهم به من النِّعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه.
الثاني ليعتبروا بذلك في أنفسهم ؛ كما أنه يجعل الزرع حطاماً إذا شاء ، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا.