قوله: {وَحُورٌ} قرأ الأخَوان بجرِّ"حور عين". والباقون برفعِهما . والنخعيُّ:"وحِيرٍ عين"بقلب الواو ياءً وجرِّهما ، وأُبَيٌّ وعبد الله"حُوْراً عيناً"بنصبهما . فأمَّا الجرُّ فمن أوجه ، أحدها: أنه عطفٌ على {جَنَّاتِ النعيم} [الواقعة: 12] كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحمٍ وحورٍ ، قاله الزمخشري . قال الشيخ:"وهذا فيه بُعْدٌ وتفكيكُ كلامٍ مرتبطٍ بعضُه ببعض ، وهو فُهْمُ أعجمي". قلت: والذي ذهب إليه معنى حسنٌ جداً ، وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: وفي مقاربة حور ، وهذا هو الذي عناه الزمخشري . وقد صرَّح غيرُه بتقدير هذا المضاف . الثاني: أنه معطوفٌ على"بأكواب"وذلك بتجوُّزٍ في قوله:"يطُوفُ"إذ معناه: يُنَعَّموْن فيها باكواب وبكذا وبُحور ، قاله الزمخشري . الثالث: أنه معطوفٌ عليه حقيقةً ، وأن الوِلْدانَ يَطُوفون عليهم بالحور أيضاً ، فإن فيه لذةً لهم ، طافُوا عليهم بالمأكولِ والمشروبِ والمُتَفَكَّهِ بعد المنكوحِ ، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب . ولا التفات إلى قولِ أبي البقاء:"عطفاً على أكواب في اللفظ دون المعنى ؛ لأنَّ الحوَر لا يُطاف بها".
وأمَّا الرفعُ فمِنْ أوجهٍ أيضاً ، عطفاً على"ولْدانٌ"، أي: إنَّ الحورَ يَطُفْنَ عليهم بذلك ، كما الوَلائدُ في الدنيا . وقال أبو البقاء:"أي: يَطُفْنَ عليهم للتنعُّمِ لا للخدمة"قلت: / وهو للخدمةِ أبْلَغُ ؛ لأنهم إذا خدمهم مثلُ أولئك ، فما الظنُّ بالمَوْطوءات؟ الثاني: أَنْ يُعطفَ على الضمير المستكنِّ في"مُتَّكِئين"وسَوَّغ ذلك الفصلُ بما بينهما . الثالث: أَنْ يُعْطفَ على مبتدأ وخبر حُذِفا معاً تقديرُه: لهم هذا كلُّه وحورٌ عين ، قاله الشيخ ، وفيه نظر ؛ لأنَّه إنما عُطِف على المبتدأ وحدَهُ ، وذلك الخبرُ له ولِما عُطِف هو عليه .