(فصل)
قال جمال الدين الحبيشي:
وَاعْلَم أَن الشَّرِيعَة فَضلهَا قد تقادم مُنْذُ بعث الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آدم وَقد جعل الله تَعَالَى لكل قوم شَرِيعَة يحكم بهَا أنبياؤهم ويتلقاها بعدهمْ علماؤهم ثمَّ أنزل الله تَعَالَى التَّوْرَاة على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى {فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار}
أَي وَيحكم بهَا الربانيون والأحبار واحدهم رَبِّي وَحبر وهم الْعلمَاء وَقَالَ تَعَالَى {كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب} أَي كونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء قَالَه عَليّ وَابْن عَبَّاس وَالْحسن وَالضَّحَّاك رَضِي الله عَنْهُم ذكره الثعالبي رَحمَه الله
وَقَالَ سُبْحَانَهُ {وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله}
ثمَّ أنزل الله الزبُور على دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ تَعَالَى {يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى}
ثمَّ أنزل الله تَعَالَى الْإِنْجِيل على عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ الله تَعَالَى {وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ}
وَقَالَ تَعَالَى {أَولم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل} وَقَالَ سُبْحَانَهُ {لقد أرسلنَا رسلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأنزلنا مَعَهم الْكتاب وَالْمِيزَان ليقوم النَّاس بِالْقِسْطِ}
أَي ليحكموا ويعملوا بِالْقِسْطِ وَهُوَ الْعدْل ثمَّ حصلت الفترة وَظَهَرت الْجَاهِلِيَّة وكفرت الْعَرَب بِالْكُلِّيَّةِ وهم مَعَ كفرهم لم يخلوا نُفُوسهم من حكام يصيرون إِلَى قَوْلهم ويقلدونهم بِمَا أشكل عَلَيْهِم وَقت كفرهم فيذعنون لقَولهم وينقادون لأمرهم ويسعون بإقامتهم ونصرهم ويردون من مَال مِنْهُم إِلَى طاعتهم.
وَمن الدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ رَضِي الله عَنْهُمَا أَن أَبَا شُرَيْح الْحَارِثِيّ وَفد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ قومه مُسلمين فسمعهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم يكنونه بِأبي الحكم فَدَعَاهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لم تكنى أَبَا الحكم قَالَ لِأَن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (مَا أحسن هَذَا)