فَلَمَّا من الله سُبْحَانَهُ بِظُهُور الشَّرِيعَة المحمدية وَالْملَّة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة الْمُبَارَكَة السمحة القوية أنزل الله بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم الَّذِي فِيهِ النبأ الْعَظِيم وَالذكر الْحَكِيم وَأمر نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالحكم بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ {وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله}
حَتَّى قَالَ سُبْحَانَهُ {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا}
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَي جعل الله لأهل كل مِلَّة شرعة ومنهاجا فلأهل التَّوْرَاة شَرِيعَة وَلأَهل الْإِنْجِيل شَرِيعَة وَلأَهل الْقُرْآن شَرِيعَة يحلل الله فِيهَا مَا يَشَاء وَيحرم مَا يَشَاء فالدين وَاحِد والإله سُبْحَانَهُ وَاحِد وَلكُل أمة رَسُول وَشَرِيعَة شرعها الله تَعَالَى لَهُم
ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مؤكدا مكررا {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله}
{فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا}
وَقَالَ تَعَالَى {ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ}
وَقَالَ تَعَالَى {لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم}
وَقَالَ {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا}
فَلَمَّا لم يكن بعد مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبِي وَلَا رَسُول وَلَا شَرِيعَة تنسخ وَلَا تبدل وَلَا تحول إِذْ هُوَ خَاتم الْأَنْبِيَاء
جعل الله بعده الْعلمَاء فورثوا أَحْكَامه وسننه وطلبوا من كل علم أحْسنه وحفظوا لمن بعده مَا بَينه وحكموا بِالشَّرْعِ وَاتبعُوا سنَنه امتثالا لقَوْل الله عز وَجل {وَإِذا حكمتم بَين النَّاس أَن تحكموا بِالْعَدْلِ}
ثمَّ وبخ الله تَعَالَى من اتبع حكم الْجَاهِلِيَّة وذم من لم يحكم بالشريعة المرضية
فَقَالَ سُبْحَانَهُ {أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}
وَحكم الله الَّذِي أذن بِهِ هُوَ الَّذِي رقمه الْعلمَاء فِي الدفاتر وَنَقله الأول مِنْهُم إِلَى الآخر فَمن عدل عَنهُ وَمَال فقد وَقع فِي الضلال وَاسْتحق الذَّم والنكال