اللَّهِ فِي تَخْصِيصِ السَّمَاءِ بِمَجِيءِ الْأَوَامِرِ مِنْهَا، وَكَانَ فِي الْإِمْكَانِ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَعَلَّ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَأَسْكَنَهَا مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ هُمْ سُفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَحَمَلَةُ أَمْرِهِ وَأَحْكَامِهِ وَخَلَقَ فَوْقَ ذَلِكَ عَرْشَهُ وَكُرْسِيَّهُ لِيُرَكِّزَ فِي نُفُوسِ الْعِبَادِ عَظَمَتَهُ وَاسْتِعْلَاءَ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِمْ لِيَنْقَادُوا لَهَا.
وَيُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ {سَخَرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَحَيُّزِهِ تَعَالَى فِيهَا، وَلَمَّا كَانَتْ جِهَةُ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَارْتَكَزَتْ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ فِي نُفُوسِ الْعِبَادِ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ لِنُزُولِ الْقَضَاءِ لَا لِتَحَيُّزِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَدْبِيرٌ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يَرِدُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَوَامِرِ وَمَا يَصْلُحُهُمْ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ الْعُقُولُ، وَحَسْبُ الْعَبْدِ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ بِالذِّلَّةِ وَالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَالتَّكْلِيفِ وَامْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ وَكُلِّفَ وَاجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَتَعْظِيمِ الرَّبِّ الَّذِي مِنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا وَعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فَالْعُقُولُ تَقْصُرُ دُونَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. انتهى. {فتاوى السبكي حـ 1 صـ}