هؤلاء المسلمون من الفئة الأخرى كان يصعب عليهم البذل في سبيل الله ; وتشق عليهم تكاليف العقيدة في النفس والمال ; وتزدهيهم قيم الحياة الدنيا وزينتها ; فلا يستطيعون الخلاص من دعائها وإغرائها .
وهؤلاء - بصفة خاصة - هم الذين تهتف بهم هذه السورة تلك الهتافات الموحية التي أسلفنا نماذج منها , لتخلص أرواحهم من تلك الأوهاق والجواذب , وترفعها إلى مستوى الحقيقة الإيمانية الكبرى , التي تصغر معها كل قيم الأرض , وتذوب في حرارتها كل عوائقها !
كذلك كانت هنالك طائفة أخرى - غير هؤلاء وأولئك - هي طائفة المنافقين , مختلطة غير متميزة . وبخاصة حين ظهرت غلبة الإسلام , واضطر المنافقون إلى التخفي والإنزواء ; مع بقاء قلوبهم مشوبة غير خالصة ولا مخلصة يتربصون الفرص وتجرفهم الفتن . وهؤلاء تصور السورة مصيرهم يوم يميزون ويعزلون عن المؤمنين: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم . بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . ذلك هو الفوز العظيم . يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا:انظرونا نقتبس من نوركم . قيل:ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب , ينادونهم:ألم نكن معكم ? قالوا بلى ! ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني , حتى جاء أمر الله , وغركم بالله الغرور . فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا , مأواكم النار هي مولاكم . وبئس المصير) . .