روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية:"إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء"واعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه: الأول: أن تقدم الشيء على الشيء يعقل على وجوه أحدها: التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم ، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثراً في المتأخر وثانيها: التقدم بالحاجة لا بالتأثير ، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين وثالثها: التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر ورابعها: التقدم بالرتبة ، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم ، أو من مبدأ معقول ، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي ، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلاً كان أشد تأخراً ، ولو قلبناه انقلب الأمر وخامسها: التقدم بالزمان ، وهو أن الموجود في الزمان المتقدم ، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر ، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن ههنا قسماً سادساً ، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ، فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان ، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً بزمان آخر ، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به ، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن ، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً ، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول ، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية ، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال ، لأنه لما كان زماناً كان داخلاً في مجموع الأزمنة ، فإذاً ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال ، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان ، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة ، وإلا لوجدا معاً ، كما أن العلة