وقوله - تعالى -: مَنْ أَنْفَقَ .. عام يشمل جميع من بذل ماله قبل الفتح في سبيل الله.
وقيل: المراد به أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق.
وقوله - عز وجل -: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى مدح للفريقين، ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثاني وهو الذي أنفق من بعد الفتح وقاتل، محروم من الأجر.
أي: وكلا الفريقين وعده الله - تعالى - المثوبة الحسنى وهي الجنة، إلا أن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
فهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما بينهم، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم.
ثم حتم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم لله - تعالى - لتنالوا أجره وثوابه.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي تدل على فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا أصحابى، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، بتحريض أشد وأقوى على الإنفاق في وجوه الخير، فقال - تعالى -: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.
قال القرطبي: القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، وأقرض فلان فلانا، أي:
أعطاه ما يتجازاه واستقرضت من فلان أي: طلبت منه القرض فأقرضنى، واقترضت منه أي: أخذت منه القرض. وأصل الكلمة: القطع. ومنه المقراض، وأقرضته، أي: قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها.
ثم قال: والتعبير بالقرض في هذه الآية، إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء».