وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {انْظُرُونَا} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ {انْظُرُونَا} مَوْصُولَةً بِمَعْنَى انْتَظِرُونَا، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (أَنْظِرُونَا) مَقْطُوعَةَ الْأَلِفِ مِنْ أَنْظَرْتَ بِمَعْنَى: أَخِّرُونَا، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَنْظِرْنِي وَهُمْ يُرِيدُونَ انْتَظِرْنِي قَلِيلًا؛ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ بَيْتَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيَقِينَا
قَالَ: فَمَعْنَى هَذَا: انْتَظِرْنَا قَلِيلًا نُخْبِرْكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا تَأْخِيرٌ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِمَاعٌ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: اسْمَعْ مِنِّي حَتَّى أُخْبِرَكَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْوَصْلُ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ انْتَظِرْنَا، وَلَيْسَ لِلتَّأْخِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنًى، فَيُقَالُ: أَنْظِرُونَا، بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَهَمْزِهَا
وَقَوْلُهُ: {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}
يَقُولُ: نَسْتَصْبِحْ مِنْ نُورِكُمْ، وَالْقَبَسُ: الشُّعْلَةُ.
وَقَوْلُهُ: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَيُجَابُونَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمُ: ارْجِعُوا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمْ، وَاطْلُبُوا لِأَنْفُسِكُمْ هُنَالِكَ نُورًا، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى الِاقْتِبَاسِ مِنْ نُورِنَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"بَيْنَمَا النَّاسُ فِي ظُلْمَةٍ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ نُورًا؛ فَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ النُّورَ تَوَجَّهُوا نَحْوَهُ، وَكَانَ النُّورُ دَلِيلًا مِنَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ؛ فَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ قَدِ انْطَلَقُوا، تَبِعُوهُمْ، فَأَظْلَمَ اللَّهُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقَالُوا حِينَئِذٍ: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا؛ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: ارْجِعُوا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ، فَالْتَمِسُوا هُنَالِكَ النُّورَ"
وَقَوْلُهُ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَضَرَبَ اللَّهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِسُورٍ، وَهُوَ حَاجِزٌ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ.