فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 60

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)}

(حكاية)

قيل أنفذ هارون الرشيد إلى مالك بن أنس رضي الله عنه خمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب الرشيد وقال: أعطيه خمسمائة دينار وتعطيه أنت ألف دينار، وأنت من رعيتي فقال: يا أمير المؤمنين إن لي في كل يوم من غلتي ألف دينار، فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم.

وحكي أنه لم تجب عليه زكاة قط، مع أن دخله ألف دينار في كل يوم.

(حكاية)

وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه، فقيل إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديًا فنادى من كان لقيس عليه حق فهو منه في حل فكسرت درجته"بالعشي"لكثرة من عاده.

(حكاية)

ذكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نُبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلًا ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله؟ فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعًا، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت"وإذا فعلت"كنت حسيبًا. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته.

فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأَنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفًا أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي.

(حكاية)

يروى أن رجلًا من الأنصار جاء إلى عبد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم رسول الله إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك تبركًا به وإن أمه ماتت فقال عبد الله: بارك الله لك في الصبية وأجزل لك في الصبر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش بؤس، وفي المال قلة قال الأنصاري: جُعلت فداك لو سبقت حاتمًا بيوم واحد ما ذكرته العرب أبدًا، ولكنه سبقك فصرت تاليًا، وأنا أشهد أن عفوك أكثر من جوده، وطلّ كرمك أكثر من وبله.

(حكاية)

وروي أن الشافعي لم مرِض مرَض موته قال: مُروا فلانًا بغسلي. فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال: ايتوني بتذكرته فأُتي بها فنظر فيها فإذا على الشافعي رضي الله عنه سبعون ألف درهم فكتبها على نفسه"وقضاها عنه"، وقال: هذا غُسلي إياه أي أنه إنما أراد هذا.

(حكاية)

قال الشيخ أبو سعيد"الخركوشي النيسابوري سمعت"محمد بن محمد الحافظ يقول سمعت"الشافعي يقول: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء فولد لبعضهم ولد. قال: فجئت إليه وقلت: ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي، ودخل على جماعة فلم يفتح عليه بشيء. فجاء إلى قبر رجل يعرفه وجلس عنده وقال: رحمك الله كنت تفعل وتصنع، وإني درت اليوم وطلبت جماعة في شيء لمولود فلم يتفق لي شيء."

ثم قام وأخرج دينارًا فكسره نصفين وناولني نصفه وقال: هذا دين عليك إلى أن يفتح الله لك بشيء، فأخذته وانصرفت وأصلحت ما اتفق لي به.

فرأى"المحتسب"، تلك الليلة"ذلك الشخص صاحب القبر في منامه وهو يقول: قد سمعت جميع ما قلت، وليس لنا إذن في الجواب. ولكن احضر منزلي وقل لأولادي يحفرون مكان الكانون ويخرجون قربة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل. قال: فلما كان من الغد، تقدم إلى منزل الميت وقص القصة فقالوا له: اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بيد يديه فقال: هذا مالكم وليس لرؤياي حكم. فقالوا: هو يتسخى ميتًا ونحن لا نتسخى أحياء، والله لا تمسكنا منها بشيء. فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة. قال: فأخذ منها دينارًا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر، وقال: يكفيني هذا، تصدق بها على الفقراء قال: أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى الميت أم السائل أو أولاده؟"

(حكاية)

قيل كان فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنة في الغناء، فضاق بهما الخناق، واشتدت بهما الحال في عدم ما يقتاتان به. فقال لها: قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أهون علي مما أذكره لك ويسوءني أن أراك على غير الحال التي تسرني"فيك"، ونهاية أمرنا أن تحل بأحدنا منيته فيقتل الآخر نفسه عليه. فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك، فيغسل عنك ما أنت فيه وأتفرج أنا بما"لعله"يصير إلي من الثمن، ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه.

فقالت: والله لموتي معك على هذي الحال، آثر عندي من انتقالي إلى غيرك، ولو كان ملكًا، ولكن اصنع ما بدا لك.

قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي بحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان أميرًا بالعراق. قال: فحملها إليه فلما عرضت عليه استحسنها، وقال لمولاها: كم كان شراؤها عليك؟ قال: مائة ألف درهم، وقد أنفقت عليها مائة ألف دينار. قال: أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقتها في لذاتك. وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط ثياب وعشرة أرؤس من الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قال: نعم أرضى الله الأمير. وأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانته بإدخال الجارية إلى دار الحرم، فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت:

هنيئًا لك المال الذي قد أفدته ... ولم يبق في كفي غير التحسر

أقول لنفسي وهي في كرباتها ... أقلِّي فقد بان الحبيب أو أكثري

إذا لم يكن للأمر عندك حيلة ... ولم تجدي بُدًّا من الصبر فاصبري

فأجابها مولاها يقول:

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري

أروج بهم من فراقك موجع ... أناجي به قلبًا قليل التصبر

عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر

فقال ابن معمر: قد شئت فخذها بارك الله بك فيها، وفيما صار مني إليك، فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وعاد وقد أثرى وحسنت حاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت