فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 60

{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...(53)}

(حكاية)

قال خرج رجلان من المدينة يريدان عبد الله بن عامر بن كُريز للوفادة عليه. أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملًا بالعراق لعثمان بن عفان رضي الله عنه. فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال اعرضه. قال: ننيخ رواحلنا ونتوضأ ونصلي ركعتين نحمد الله عز وجل فيهما على ما قضى من سفرنا. قال: نِعم هذا الرأي الذي لا يُردّ. قال: ففعلا ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي فقال له: يا أخا ثقيف ما رأيك؟ قال وأي موضوع رأي هذا، قضيت سفري، وأنضيت بدني وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر فهل لك من رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال إنني لما صليت، فكرت فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره. ثم قال: اللهم رازقَ ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعًا إلى المدينة.

ودخل الثقفي إلى البصرة فمكث على باب ابن عامر أيامًا، فلما أُذن له، دخل عليه، وكان كُتب إليه بخبرهما، فلما رآه رحب به وقال: أَلم أُخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما، فبكى ابن عامر وقال: والله ما قالها أشِرًا ولا بطرًا، ولكن رأى مجرِي الرزق ومُخرِج النعمة، فعلم أن الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر الثقفي بأربعة آلاف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:

أمامة ما سعي الحريص بزائد ... فتيلًا ولا عجز الضعيف بضائر

خرجنا جميعًا من مساقط رؤوسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر

فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخر عني اليثربي ابن جابر

وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر

فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو لسد مفاقري

فلما رآني قال ابن جابر؟ ... وحن كما حنت ضراب الأباعر

فأضعف عبد الله إذ غاب شخصه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت