(حكاية)
حدث موسى بن الحسين بن زياد قال: كان محمد بن أوس يتعشق غرس جارية عيناء ابنة مطهر الصاغاني وكانت لا تخرج في اليوم والليلة إلا بخمسة دنانير. وكان إذا استدعاها وخرجت إليه اقتطعها شهرًا أو أكثر، فحجبتها عنه في بعض الأوقات، واحتجت عليه بكسوة الشتاء فكتب إليها رقعة يسألها إنقاذها، ووعدها أن يكلم الوزير في أمر أرزاقه لتبلغ محبوبها. وكتب رقعة أخرى إلى الوزير عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وخرج باكرًا مغلسًا ليلقى الوزير بالرقعة. فغلط بين الرقعتين فحمل على كمه الرقعة التي كتبها إلى عيناء. فلما رأى الوزير ذهب ليترجل فمنعه من ذلك، فسلم ودفع الرقعة إليه، فدعا عبيد الله بالشمع فأدني منه، وقرأ الرقعة في الطريق واستدعى أحمد بن العباس وساره، وقال: خذ هذه الرقعة فاعمل بما فيها. وأوحى إليه بشيء سرًا، فمضى إلى عيناء فابتاع الجارية منها وابتاع لها وصيفة بمائة دينار وكسوة بثلاثمائة دينار، وصار بالجميع إلى منزل محمد بن أوس. وقد كان الوزير أمسكه إلى وقت الطعام فتغدى معه وجلس للشراب. قال أحمد بن العباس: فلما حصلت ما أمرني له أتيته فقال لي الوزير: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقلت: قد أنجزته. فقال: لمحمد بن أوس: صر إلى منزلك فإن الغلام يلقاك. فلما دخل منزله لقيته الجارية منبسطة مقبلة عليه غير محتشمة ولا منقبضة، وكانت في مدة عشقه لها تمنعه من الدنو لها فجرى على عادته تلك في الإمساك عنها، وترك مقاربتها، لما كان يعرفه منها. فقالت: لا تنقبض فما لي اليوم منك امتناع، وأنا اليوم ملك يديك. قال: وما القصة؟ فأخبرته بما كان من أحمد بن العباس عن أمر الوزير. فعجب من ذلك ولم يعرف سببه ثم فكر في الرقعة فقام لينظر الرقعة الأخرى فألفى التي كتبها إلى الوزير باقية فعلم أنه غلط بين الرقعتين، فركب إلى دار الوزير واستأن عليه ليعتذر إليه فأنفذ إليه: أنت الليلة عروس اذهب فأقم في عرسك سبعة أيام، ثم صر إلينا بعد ذلك. فعاد إلى داره وأقام مع الجارية أيامًا، وأنفذ إليه عبيد الله توقيعًا بأرزاقه، وقد زاد فيها ورفع مرتبته، فسار إليه بعد ذلك وشكره على ما كان منه إليه.