فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 476

وهي أن يكون الشخص الذي يدَّعي النبوَّة غير معصوم إلا أنه في الوقت ذاته ليس غارقًا في الذنوب والمفاسد الأخلاقية بل يكون بشكل عام إنسانًا تقيًا نقيًا نزيهًا مخلصًا فيشعر الناس نحوه بالحب والطمأنينة بسبب ما يجدوه فيه من نزاهة وطهر ونقاء وصدق وأمانة وما يمتلكه من جاذبية معنوية. وادعاء مثل هذا الشخص للنبوة - خاصة عندما يأتي بمعجزة خارقة لإثبات دعواه إضافة إلى سوابقه الحسنة ومكانته في قلوب الناس- يختلف من السماء إلى الأرض عن ادعاء شخص فاسق فاسد (أوحتى عادي) لا يمتلك أي مكانة في قلوب الناس ولا يستطيع أن يأتي بأي معجزة لإثبات دعواه.

2 -كما ذكرنا في النقطة السابقة، إن أقصى ما يثبته ذلك الاستدلال هوضرورة العصمة الظاهرية للأنبياء. بعبارة أخرى إذا اعتبرنا أن المعيار ثقة الناس فيكفي أن يكون الشخص المدَّعِي للنبوَّة إنسانًا ظاهر الصلاح أي لا يُقْدِمُ على ارتكاب ذنب أوعمل قبيح أمام أنظار الناس وفي ملأ منهم، كي يتمكَّن الناس من الثقة به والاطمئنان إلى صدقه. ولا يثبت الاستدلال المذكور ضرورةَ أن يكون هذا الشخص مصونًا من كل خطأ وزلل وذنب في السرّ والخفاء. فهذا الدليل ناقصٌ وقاصرٌ.

3 -الدليل المذكور قاصرٌ عن إثبات ضرورة العصمة قبل النبوة، لأنه قبل أن ينزِّل الله أوامره ونواهيه لا يوجد معنى للذنب أولمعصية الله، فالقضية سالبة بانتفاء الموضوع (كما يقول المناطقة) .

لنفرض مثلا أن الشخص الذي لم يُبعث بالنبوَّة بعد أكل لحم الخنزير (كما يأكله سائر الناس في عصره ولا يعتبرون ذلك عملًا قبحًا) ،

فإذا ادَّعى هذا الشخص النبوَّةَ بعد ذلك وأعلن أن أحد قوانين شريعته حُرْمَةُ لحم الخنزير. فهل يجوز أن يُقال له في مثل هذه الحالة: إذا كان لحم الخنزير حرامًا فلماذا كنت تأكله من قبل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت