فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 476

حسنًا، لكن النقطة المهمة التي غفل عنها علماء الشيعة هنا هي أن الحالات التي أشير إليها في الأمثلة المذكورة لا تعتبر فضيلة بالنسبة للأشخاص غير المعصومين كما لا توجب استحقاقهم للثواب الأخروي.

فهل يصنع الإنسان مفخرةً وعملًا عظيمًا إذا امتنع عن احتساء سم زعاف أوعن إلقاء نفسه في حفرة من النار؟ الإجابة بلا شك كلا، لأنه يرى عاقبة تلك الأعمال بكل وجوده لذا لا يشعر برغبة بها. كما أنه لا يثاب الإنسان يوم القيامة عن امتناعه من تناول السم الزعاف أوابتعاده عن هاوية من نار. أما إذا وُضِعَ كأسٌ من الخمر الزلال أمام عيني شخصٍ لا يشعر بأي خوف من تناول ذلك المشروب وما يستتبعه من عواقب دنيوية (أقصاها أن يبتلى ببعض الأمراض)

وليس هذا فحسب بل يشعر برغبة شديدة بتناوله والوصول إلى نشوة السُّكْر، لكنه رغم ذلك يمتنع عن تناوله إتباعًا لأمر الله ورجاءً لثوابه وخوفًا من عقابه وإنقاذًا لنفسه من نار جهنم، فإن مثل هذا الشخص يكون قد صنع أمرًا كبيرًا يستحق عليه الثناء والثواب الأخروي، لأنه لم يكن يخاف من أثر سيء مباشر لشربه ذلك المشروب

(كأن يدرك أنه يستتبع أضرارًا مباشرةً شديدةً ومهلكةً في هذه الدنيا) كما أن علمه بالعاقبة الأخروية لشرب الخمر علم عادي ظاهري يستند إلى ثقته بصدق كلام الأنبياء والأولياء وليس علمًا لدنيا وحضوريًا شهوديًا يبرز حقيقة نار جهنم وأنواع العذاب الأخروي أمام ناظريه بوضوح مماثل لوضوح الشمس في رابعة النهار.

إن جميع الأمور التي نحن -البشر العاديون- مصانون من الوقوع فيها ولدينا نوع من العصمة عن ارتكابها أمورٌ لا نشعر بأي رغبة بالقيام بها بسبب علمنا القاطع بأضرارها وتأكدنا من عواقبها المخيفة والمميتة في هذه الدنيا، فنمتنع عن ارتكابها في الواقع انطلاقًا من غريزة حب النفس وحرصًا على سلامتنا وكرهًا للألم أوالموت وحبًا للحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت