الصفحة 23 من 70

ويلاحظ من تتبع أقوال الفقهاء في هذه المسألة أن البعض لم يلاحظ اندراج حكم الوسيلة أو الاسلوب والذي أطلق عليه اسم - المصلحة المرسلة - تحت الحكم الشرعي للفعل الذي ورد الدليل بشأنه، واعتبر أن المصلحة في ذاتها هي الدليل على شرعية الاسلوب والوسيلة. حيث عرف حجة الاسلام الامام الغزالي رحمه الله المصلحة المرسلة بأنها"كل مصلحة رجعت الى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والاجماع [1] "كما عرف الامام الرازي المصلحة المرسلة بأنها كل"ما لم يشهد له بالاعتبار ولا بالإبطال نص معين" [2] . وأكد بأنه"اذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة معتبرة قطعا عند الشرع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحته غالبة على مفسدته: تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعا: والعمل بالظن واجب" [3] . ونحن لا نرى اعتبار المصلحة دليلا شرعيا مستقلا حيث أن المصلحة لا تعد دليلا شرعيا، نظرا لان الدليل الشرعي هو ما ورد في مصادر الشرع، ومجرد وجود المصلحة هو أمر عقلي وليس شرعيا راجع الى مصادر الشريعة، والدليل على شرعية الاسلوب أو الوسيلة أو القانون الاجرائي انما يمكن في الحقيقة في اندراجها تحت حكم الفعل الاصلي الذي أثبتته الأدلة الشرعية.

وقد أكد بعض الفقهاء، كابن عقيل الحنبلي أنه ليس شرطا أن تكون القوانين الاجرائية قد ورد بها نص في المصادر الشرعية حيث يرد على من ادعى أن كل سياسة ينبغي أن ينص عليها الشرع بقوله"أن أردت: لا سياسة الا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة" [4] . كما يرد ابن القيم على هؤلاء بأنهم:

ضيعوا الحقوق وجرؤا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة الى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها [5] .

(1) ... المستصفى من علم الاصول, الجزء الاول, القاهرة, المطبعة الاميرية بولاق, 1322, ص 310 - 311.

(2) ... المحصول, الجزء الثاني, مرجع سابق, ص 220.

(3) ... المرجع السابق, ص 204.

(4) ... نقلا عن شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية, الطرق الحكمية في السياسة الشرعية, بيروت, دار الكتب العلمية, (بدون تاريخ نشر) , ص 13.

(5) ... المرجع السابق, ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت