ان الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة وعمدة الملة وآية الرسالة ونور الابصار والبصائر وأنه لا طريق الى الله سواه ولا نجاة بغيره ولا تمسك بشي يخالفه وهذا كله لا يحتاج الى تقرير واستدلال عليه فانه معلوم من دين الامة ... وأيضا فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغان أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه من كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ميسرا للفهم فيه ... وهذا من جملة الوجوه الاعجازية فيه، اذا من العجب ايراد كلام من جنس كلام البشر ... ، مفهوم معقول ثم لا يقدر البشر على الاتيان بسورة مثلة ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا [1] .
وقد اشتمل القرآن الكريم على آيات عديدة تأمر المؤمنين بالرجوع اليه كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [2] فالأمر بالرد الى الله، يعني الرد الى كتابه. وقال عز وجل {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [3] وكذلك قوله تعالى {إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [4] . وكذلك قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [5] .
وقد اشتمل القرآن، كمصدر للأحكام، على أصول جميع التشريعات التي تنظم شئون الافراد والامة. يقول تعالى {فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [6] أي سواء في ذلك أحكام العبادات كالصلاة والصوم أو المعاملات التي تنظم علاقات البشر بعضهم ببعض أفرادا وجماعات كالأحكام والتصرفات والعقود والجنايات والعقوبات، وسواء في ذلك الاحكام السياسية الدستورية، كالشورى وطاعة أولي الامر، أو أحكام المرافعات والقضاء أو أحكام علاقة الدولة الاسلامية بغيرها من الدول وما يترتب عليها من أحكام الجهاد والمعاهدات وغيرها. كما تضمن القرآن الكريم العديد من القواعد الكلية وأشار الى
(1) ... الموافقات, الجزء الثالث, مرجع سابق, ص 346.
(2) ... سورة النساء آية 59.
(3) ... سورة النساء آية 105.
(4) ... سورة المائدة آية 48.
(5) ... سورة الانعام آية 38.
(6) ... سورة النحل آية 89.