الصفحة 51 من 70

صلى الله عليه وسلم دولة بعد هجرته الى المدينة وأظهر في سنته عليه الصلاة والسلام التشريعات والممارسات التي تبين علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الامة بالدولة وعلاقة الدولة بغيرها من الدول، وسن أحكاما عديدة تتعلق بأجهزة الدولة نحو احكام الولاة والقضاة، وأحكام رعاية الشئون. وقد بين علماء الاصول أن كافة ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال التشريع ينبغي الاقتداء به والاتباع لهديه لقوله تعالى {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [1] وقوله عز وجل {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ} [2] . ولم يستثن من ذلك الا ما قامت القرينة الجازمة عليه بأنه ليس تشريعا نحو ما كان من خصوصياته عليه الصلاة والسلام كمواصلة الصوم أو كان فعلا جبليا صدر عنه بصفته البشرية كاجتناب مطعون معين، أو كان أسلوبا اجرائيا لأداء الحكم الشرعي مما هو من عوائد الزمان نحو استخدام السيف في القتال أو حفر الخندق للدفاع ونحو ذلك [3] . وباستثناء ذلك فان كافة ما حوته السنة من أحكام متعلقة بالأفراد أو بالدولة أو بالأحكام بعد تشريعا ملزما لكون ذلك من سننه عليه الصلاة والسلام الواجبة الاتباع.

ويظهر، مما سبق، التجاوز الذي يقع فيه بعض فقهاء الدستور الوضعي المعاصرين من أمثال د. عبد الحميد متولي الذي يقول أن"ما بعد تشريعا وقتيا أو زمنيا ... ما صدر عن الرسول عليه الصلاة والسلام باعتبار ماله من الامامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين .. مثل بعث الجيوش وتولية القضاة ... ولا ريب أن الاحكام الدستورية تعد كذلك" [4] وما يقرره بناء على هذه القاعدة بأنه"بعيد عن الصواب ما يذكره الكثيرون ... من أولئك الذين ينادون من قادة الفكر السياسي الاسلامي - بوضع دستور اسلامي من أن مصادر هذا الدستور هي أولا القرآن والسنة" [5] ، ولان السنة في رأي متولي،"التي وردت في التفصيلات والجزئيات أو التنظيمات أو التطبيقات لمبدأ أو لقاعدة كلية" [6] . تعد تشريعا وقتيا غير ملزمة ولا ينبغي الاخذ بها.

(1) ... سورة الحشر آية 7.

(2) ... سورة الاحزاب آية 21.

(3) ... د. عبد الغني عبد الخالق, حجية السنة, بيروت, دار القرآن الكريم, 1407 - 1986, ص 340.

(4) ... مبادئ نظام الحكم في الاسلام, مرجع سابق, ص 40 - 41.

(5) ... المرجع السابق, ص 43.

(6) ... المرجع السابق, ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت