أن مثل هذا الاستنتاج من بعض فقهاء الدستور الوضعي مبني على عدم التفريق بين ما يعتبر أمرا تنفيذيا وأسلوبا اجرائيا - نحو استخدام وسيلة مادية معينة كالسيف للقتال أو الخيل للكر والفر أو رسم خطة معركة ما أو موضوع تأبير النخيل بهدف لقاح التمر ونحو ذلك مما ذكر علماء الاصول عدم اعتباره تشريعا لوجود القرينة على أنها أفعال دنيوية محضة وأساليب ووسائل لا يقصد بها التشريع - وبين الاحكام الشرعية الجزئية والتفصيلية التي تبين الاحكام التنظيمية للدولة. حيث يخلط العديد من هؤلاء المعاصرين بين هذين الموضوعين نتيجة عدم معرفة حقيقة الفقه الاسلامي وواقع التشريع الاسلامي من ناحية، ونتيجة لسيطرة أحكام الانظمة الغربية التي تجعل من الصعوبة بمكان تصور قيام حكم اسلامي مشتق من مصادره الاصلية. ولقد أدى ما سبق ذكره الى نفي ما اشتهر بين المسلمين وأجمع عليه السلف والخلف وتواترت به الاخبار بوجوب الاخذ بالسنة في الاحكام الدستورية والقضائية.
يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
سن رسول الله وولاة الامر بعده سننا الاخذ بها تصديق لكتاب الله وليس لاحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيمن خالفها [1] .
كما خالف بعض المعاصرين من فقهاء الدستور الوضعي جميع علماء الاصول الذين أكدوا أن السنة ثاني الادلة الشرعية وتستنبط منها كافة الاحكام سواء كانت دستورية أو قضائية أو أحكاما للأحوال الشخصية أو غيرها، وعد هؤلاء العلماء جميع ما ثبت عن النبي عليه السلام أحكاما واجبة لاتباع ابتداء لكل عصر ما لم تقم القرينة الجازمة على خلاف ذلك.
أضف الى ذلك أنه لا خلاف بين فقهاء المسلمين المعتبرين أن أحكام الامامة كنظام سياسي وأحكام الحدود والقضاء وغيرها هي أحكام تشريعية تعالج أفعال العباد وأنه يجب اتباع الرسول عليه السلام في جميعها، وأنه لا يوجد مطلقا قرينة شرعية تدل على أن هذه الاحكام وقتية أو خاصة بعصر وزمان معين دون غيره أو ليس المقصود منها التشريع.
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية:
(1) ... القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي, الشفا تعريف حقوق المصطفى, الجزء الثاني, بيروت, دار الكتب العلمية, 1979, ص 18.