وفي هذا الحديث؛ مدح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فعل سلمة، ولم ينكر عليه قتاله القوم وحده والغزو دون إذنه، وكذلك لم ينكر على الأخرم قتاله للقوم وحده، فدل ذلك على جواز الغزو بدون إذن الإمام، وعلى جواز حمل الواحد على العدو بدون ضرورة مع الفارق الكبير في العدد والعدة.
قال ابن النحاس رحمه الله: (الحديث أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أن يقتل إذا كان مخلصًا في طلب الشهادة، كما فعل الأخرم الأسدي ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث؛ دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون، وفيه أن للإمام وغيره ممن له على الحامل دالة المحبة أن يمنعه شفقة عليه، وله أن يطلقة إذا علم منه صدق القصد وتصميم العزم وإخلاص النية في طلب الشهادة، كما فعل سلمة بن الأكوع مع الأخرم الأسدي ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم منعه ولا إطلاقه، وفي طلب سلمة انتخاب مائة من الصحابة ليلقى بهم الكفار دليل واضح على أن الكفار كانوا جمعًا كثيرا، وإلا لم يستدع الحال أن يتوجه إليهم مائة من الصحابة المنتخبين، ولم أر من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهو أوضح من كل دليل واضح، والله أعلم) [42] اهـ.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله ثم انهزم أصحابه، فعلم ما عليه فرجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) [43] .
وعن أنس رضي الله عنه قال - وهو يذكر يوم اليمامة: (أتيت ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط، فقلت: يا عم ما يحبسك ألاَّ تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط ثم جاء فجلس - فذكر في الحديث انكشافا من الناس - فقال ثابت: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بئس ما عودتم أقرانكم) [44] .
وذكر جماعة عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس؛ لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: (ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فحفر لنفسه حفرة وقام فيها ومعه راية المهاجرين يومئذ، فقاتل حتى قتل يوم اليمامة شهيدًا.
وعن أبي إسحاق قال: (زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤهم إلى حديقة فيها عدو الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على حديقة حتى فتحها على المسلمين، فقتل الله مسيلمة) [45] .
وعن مدرك بن عوف قال: (إني لعند عمر فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر رضي الله عنه: كذبوا، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا) [46] .
وفي الآثار السابقة، وفي إقرار الصحابة؛ دليل على جواز إقدام المسلم على عمل يعلم فيه أنه مقتول، وإقرار الصحابة لمثل هذا الفعل دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة.