وعن أسلم بن عمران قال: (كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سرا؛ إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها) [47] .
وعن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن يُلقي بيده إلى التهلكة؟ قال: (لا، لأن الله تعالى قد بعث محمدا فقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} ، فإنما ذلك في النفقة) [48] .
وقال معاذ بن عفراء: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال صلى الله عليه وسلم: (غمسه يده في العدو حاسرًا) ، قال: فألقى درعًا كانت عليه وقاتل حتى قتل [49] .
وهذا الحديث وما بعده في معناه؛ أدلة واضحة على فضل الأعمال الجهادية التي يغلب على الظن هلاك صاحبها، وأن الجهاد له أدلة خاصة تجيز ما كان ممنوعا منه في غيره.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجب ربنا من رجلين، رجل ثار عن وطأته ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطأته من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع، فرجع حتى يهريق دمه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه) [50] .
قال ابن النحاس رحمه الله: (ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس، والله أعلم) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل أو الموت مظانه) [51] .
وهذا الحديث دليل على أن ابتغاء القتل والبحث عن الشهادة أمر مشروع وممدوح منفردًا.
وعن عبد الرحمن بن الأسود عبد يغوث؛ أنهم حاصروا دمشق، وانطلق رجل من أسد شنوءة فأسرع إلى العدو وحده ليستقتل، فعاب ذلك المسلمون عليه، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص، وهو على جند من الأجناد، فأرسل إليه عمرو فرده، فقال له عمرو: ( {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ، وقال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ) ، فقال له الرجل: (يا عمرو أذكرك الله الذي وجدك رأس كفر فجعلك رأس الإسلام، ألا تصدني عن أمر قد جعلته في نفسي، فإني أريد أن أمشي حتى يزول هذا وأشار إلى جبل الثلج) ، فلم يزل يناشد عمرًا حتى خلى عمرو عن سبيله، فانطلق حتى أمسى وجنح الليل قبل العدو ثم رجع فقال المسلمون: الحمد لله الذي رجعك وأراك غير رأيك الذي كنت