عليه، قال: (فإني والله ما انثنيت عما كان في نفسي، ولكني رأيت المساء وخشيت أن أهلك بمضيعة) ، فلما أصبح غدا إلى العدو وحده فقاتل حتى قتل رحمه الله [52] .
قال ابن النحاس رحمه الله: (قصة عمرو بن العاص مع هذا شبيهة بقصة سلمة بن الأكوع مع الأخرم الأسدي رضي الله عنهما) .
وعن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن مريم عن العلاء بن سفيان الحضرمي قال: (غزا بسر بن أرطأة الروم فجعلت ساقته لا تزال تصاب فيكمن لهم الكمين فيصاب الكمين، فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يومًا في بعض أودية الروم فإذا براذين مربوطة نحو ثلاثين والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه، فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منه ثلاثة، وفقده أصحابه فطلبوه فأتوا فعرفوا فرسه وسمعوا الجلبة في الكنيسة فأتوها، فإذا بابها مغلق فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشيًا عليه، فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا، فأقبلت عليهم الأسارى فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ قالوا: بسر بن أرطأة، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله، فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منها شيء، ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه ثم خاطوه، فسلم وعوفي) [53] .
وبسر هذا من شجعان الأمة وأبطالها.
قال يزيد بن أبي حبيب: (كان بسر صاحب سيف، ورب فتح قد فتحه الله على يديه) .
وهناك بعض الآثار تدل على معنة ما سبق.
نذكر منها ما رواه الطرطوشي والقرطبي؛ أن ملك الروم من القسطنطينية خرج في ست مائة ألف خارجًا من المطوعة - أي المتطوعين للقتال - فكانوا لا يدركهم الطرف ولا يحصرهم العدد، بل كتائب متواصلة، وعساكر متزاحمة وكراديس يتلو بعضها بعضا كالجبال الشوامخ، وقد أعدوا من السلاح والكراع والآلات لفتح الحصون ما يعجز الوصف عنها واقتسموا الدنيا، فجعلوا لكل مائة ألف؛ قطرًا، العجم والعراق لملك، وديار مضر وديار ربيعة لملك ومصر والمغرب لملك، والحجاز واليمن لملك والهند والصين لملك، والروم لملك، فاضطربت ممالك الإسلام واشتد وجلهم وكثر جزعهم وهرب بعضهم من بين أيديهم وأخلوا لهم البلاد، وكان الملك ألب أرسلان التركي سلطان العراق والعجم يومئذ، قد جمع وجوه مملكته، وقال: قد علمتم ما نزل بالمسلمين فما رأيكم؟ قالوا: رأينا لرأيك تبع، وهذه الجموع لا قبل لأحد بها، قال: وأين المفر؟ لم يبق إلا الموت، فموتوا كرامًا أحسن، قالوا: أما إذا سمحت بنفسك فنفوسنا لك الفداء، فعزموا على ملاقاتهم، وقال: نلقاهم في أول بلادي، فخرج في عشرين ألفًا من الأمجاد الشجعان المنتخبين، فلما سار مرحلة عرض عسكره، فوجدهم خمسة عشر ألفًا، ورجعت خمسة، فما سار مرحلة ثانية عرض عسكره فوجدهم اثنا عشر ألفا، فلما واجههم عند الصباح رأى ما أذهل العقول وحير الألباب، وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود، فقال: إني هممت أن لا أقاتلهم إلا بعد الزوال، قالوا ولم؟ قال: لأن هذه الساعة لا يبقى على وجه الأرض منبر إلا دعوا لنا بالنصر، وكان ذلك يوم الجمعة، فقالوا: افعل، فلما زالت الشمس صلى، وقال: ليودع كل واحد صاحبه وليوصي، ففعلوا ذلك قال: إني عازم على أن أحمل فاحملوا معي وافعلوا كما أفعل، فاصطف المشركون عشرين صفًا، كل صف لا يرى طرفاه، ثم قال: بسم الله وعلى بركة الله احملوا معي، ولا يضرب أحد منكم بسيف ولا يرمي بسهم إلى أن أفعل، وحمل وحملوا معه حملة واحدة خرقوا صفوف المشركين، صفا بعد صف لا يقف لهم شيء حتى انتهوا إلى سرادق الملك فوقف، وأحاطوا به وهو